أبو علي سينا
132
رسائل ابن سينا ( ط استانبول )
فإنها تدرك دائما وجودها لأشياء من الأجسام التي معها وبها ولا تجوز أن تكون لوجود صورة أخرى معقولة غير صورة آلتها فان هذا اشتد استحالة لان الصورة المعقولة إذا حلت الجوهر العاقل جعلته عاقلا لما في تلك الصورة أو لما تلك الصورة مضافة اليه فتكون صورة المضاف داخلة في هذه الصورة وهذه الصورة المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضا صورة شئ مضاف إليها بالذات لان ذات هذه الآلة جوهر ونحن انما نأخذ ونعتبر صورة ذاته والجوهر في ذاته غير مضاف اليه « 1 » فهذا برهان عظيم على أنه لا يجوز ان يدرك المدرك لكن هو آلة في الادراك ولهذا فان الحس انما يحس شيئا خارجا ولا يحس ذاته ولا آلة ولا احساسه وكذلك الخيال ولا يتخيل ذاته ولا فعله ولا آلة بل إن تخيلت اليه تخيلها لا على نحو يخصه فإنه لا محل له دون غيره الا ان يكون الحس يورد عليه صورة آلة لو أمكن فيكون حينئذ انما يحكى خيالا مأخوذا من الحس غير مضاف عنده إلى شئ حتى لو لم يكن البتة كذلك لم يتخيله وأيضا مما يشهد لنا هذا أو فيتبع فيه ان القوى الدراكة بالطباع الصور في الآلات يعرض لها من إدامة « 2 » ان تلك لأجل ان الآلات بكلها إدامة الحركة ويفسد مزاجها الذي هو جوهرها وطبيعتها والأمور القوية الشاقة للادراك يؤمنها وربما أفسدتها حتى لا يدرك ورآها الأضعف منها لانغماسها في الانفعال عن الشاق كما في الحس فان المحسوسات الشاقة والمشكورة « 3 » بضعيفة وربما أفسدته كالضوء « 4 » للبصر والرعد الشديد للسمع وعند ادراك القوى لا تقوى على ادراك الضعيف فان ابصر « 5 » ضوءا عظيما لا يسمع معه ولا عقبه صوتا ضعيفا ومن ذاق الحلاوة الشديدة لا تحس بعدها بالضعيفة والامر في القوة العقلية بالعكس فإنه ادامتها للعقل وتصورها للامر الأقوى تكسبها وسهولة قبول لما بعدها مما هو أضعف منها فان عرض لها في بعض الأوقات ملال وكلال فذلك لاستعانة العقل بالخيال المستعمل للآلة التي نكل هي فلا تخدم العقل ولو كان لغير هذا لكان يقع دائما وفي أكثر الأحوال والامر بالضد وأيضا فان البدن
--> ( 1 ) البتة ( 2 ) العمل ( 3 ) المتكرر ( 4 ) الشديد ( 5 ) البصر